الفاخوري عطا الله.. يتمسّك بحرفة الأجداد وسط ركام غزة

الفاخوري عطا الله.. يتمسّك بحرفة الأجداد وسط ركام غزة
تقارير وحوارات

غزة/ خالد داود:

على عجلة تدور ببطء، تتشكل كتلة من الطين بين يدي الفاخوري بهجت عطا الله؛ يضغط عليها بأصابعه، ويرفعها قليلًا، ثم يعيد تهذيب حوافها، حتى تتحول تدريجيًا إلى إناء يحمل ملامح حرفة توارثتها عائلات فلسطينية في غزة جيلًا بعد جيل.

وفي زاوية الورشة، يصفّ عطا الله الأواني الطينية بانتظار أن تجف تحت أشعة الشمس، بينما تتناثر حولها كتل من الطين الخام وأدوات بسيطة يستخدمها الحرفيون في تشكيلها.

وتُعد صناعة الفخار من أقدم الحرف التقليدية في فلسطين، ولها جذور راسخة في مدينة غزة، التي عُرف أحد أحيائها تاريخيًا باسم "حي الفواخير"، نسبة إلى العاملين في هذه المهنة. وكانت الصناعة تقوم على إنتاج الأواني المستخدمة في الطهي وحفظ المياه والطعام، إلى جانب القطع المنزلية والزخرفية.

وفي قلب مدينة غزة، وتحديدًا في حي الدرج، تقع منطقة الفواخير المشهورة بورشها ومصانعها التي حافظت، طيلة الأعوام الماضية، على صناعة الفخار بوصفها إرثًا فلسطينيًا ومهنة يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد.

في المنطقة ذاتها، لم يعد الدمار مشهدًا عابرًا في حياة الناس، بل واقعًا مريرًا يفرض نفسه بثقل شديد؛ إذ لم تسلم ورش صناعة الفخار من الغارات الإسرائيلية خلال الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وطالت الأضرار مصانع الفخار وآلاتها وموادها الخام، لتتحول رحلة صناعة الفخار إلى معركة يومية من أجل البقاء.

ويسعى عطا الله وأبناؤه إلى الحفاظ على مهنة توارثها عن أجداده، وحمايتها من الاندثار، والنهوض بها مجددًا ومقاومة آثار الحرب، مواصلين عملهم بإمكانات محدودة وسط تحديات ومعيقات كبيرة.

ضربة جديدة

ويقول الفاخوري عطا الله لـ"الاستقلال":" إن صناعة الفخار في غزة تعرضت، مع اندلاع الحرب، لضربة جديدة؛ إذ دُمّرت ورش ومصانع كانت تعمل في منطقة الفواخير بمدينة غزة، ما دفع بعض الحرفيين إلى إعادة تشغيل مهنتهم يدويًا وبشكل محدود، مستخدمين بعض الأدوات التي تمكنوا من توفيرها".

ويضيف عطا الله "أنه ورث هذه المهنة عن والده وأجداده، ويسعى بكل ما يملك إلى الحفاظ على هذه الحرفة التراثية من الاندثار، ونقلها وتعليمها لأبنائه، رغم الأضرار التي لحقت بعملهم والتحديات الكبيرة التي يواجهونها بسبب الحرب وتداعياتها".

ويتابع "طيلة الحرب لم نتمكن من العمل بسبب القصف والتوغل البري والنزوح المستمر، فتوقفت الورشة وتعطلت العديد من آلاتها لفترات طويلة. ونحاول اليوم إعادة تشغيلها يدويًا وبما استطعنا توفيره من إمكانات وموارد، لإعادة إنتاج الأواني الفخارية وتلبية حاجة زبائننا".

واقع صعب

ويشير عطا الله إلى أن عودة العمل صدمت بواقع أكثر صعوبة، نتيجة الدمار الكبير الذي طال مصنعه جراء الغارات الإسرائيلية خلال الحرب؛ إذ وجد العديد من الآلات متضررًا ومدمرًا، وبات بعضها معطلًا، إلى جانب تضرر أجزاء كبيرة من المصنع وعدم توافر المواد الخام.

ويؤكد أن الحرب فرضت تحديات جديدة على كل مرحلة من مراحل العمل، بدءًا من الحصول على الطين ونقله، وصولًا إلى توفير الوقود والطاقة اللازمة لتشغيل المعدات والأفران.

وبحسب عطا الله، ارتفعت تكلفة نقل الطين بصورة حادة؛ إذ كانت تكلفة شاحنة تحمل نحو 12 طنًا من الطين قبل الحرب قرابة 500 شيكل، بينما تجاوزت حاليًا 5 آلاف شيكل، وفق تقديره، مشيرا إلى ارتفاع أسعار المنتجات الفخارية بأكثر من 50% مقارنة بما قبل الحرب.

ويلفت إلى أن انقطاع التيار الكهربائي تسبب في توقف العديد من الآلات، وأهمها الدولاب الوحيد في الورشة، ما أثر سلبًا في حجم الإنتاج، لافتا إلى فقدان جفت الزيتون المخصص لإشعال أفران حرق الفخار وتجهيزه بوصفه مرحلة أخيرة من مراحل الإنتاج، ما دفع القائمين على الورشة إلى تجفيفه تحت أشعة الشمس لأيام قبل استخدامه.

إنتاج محدود

ويوضح عطا الله أن المصنع كان يعمل قبل الحرب بكامل طاقته، لكن بعد تعرضه للدمار لم يتبقَّ سوى جزء بسيط منه، وكانت مساحة المصنع تتجاوز دونمًا، ويضم عدة منشآت ومعدات، إلا أن القصف دمر معظمها، فيما يعملون اليوم على ما تبقى منه، بطاقة إنتاجية لا تتجاوز نحو 30 إلى 40% من قدرته السابقة.

ويردف: "قبل الحرب كانت الورشة تنتج أكثر من سبعة منتجات وتطرحها في الأسواق المحلية، من بينها أحواض للزراعة، وطواجن مغربية، وأوانٍ منزلية. أما حاليًا فلا يُصنع فيها سوى ثلاثة منتجات فقط: الإبريق، والقدر، والزبدية".

ويلفت إلى أن الطلب على منتجاته شهد ارتفاعًا في الآونة الأخيرة، رغم تراجع قدرته الإنتاجية بصورة كبيرة مقارنة بما قبل الحرب، نظرًا إلى قلة توافر الأواني البلاستيكية وارتفاع أسعارها.

مراحل متعددة

ويبين عطا الله أن صناعة الفخار تمر بعدة مراحل، تبدأ بالحصول على الطين وتجهيزه، ثم تنقيته من الشوائب، ومزجه بالماء وعجنه حتى يصبح صالحًا للتشكيل، بعد ذلك، توضع الكتلة على عجلة الفخار أو تُشكّل باستخدام القوالب، قبل أن تُترك القطع حتى تجف، ثم تُحرق في أفران ذات درجات حرارة مرتفعة لتكتسب صلابتها النهائية.

وهذه العملية التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى تحتاج إلى خبرة دقيقة؛ فكمية الماء، ودرجة تماسك الطين، وسرعة دوران العجلة، وسماكة القطعة، ومدة التجفيف والحرق، كلها عوامل يمكن أن تحدد ما إذا كانت القطعة ستخرج سليمة، أم ستتشقق أو تنكسر داخل الفرن.

ويشير عطا الله إلى أنه في الظروف الطبيعية، تمر المرحلة التالية عبر آلة العجن التي تعمل على تجانس الطين وتجعله أكثر قابلية للتشكيل، لكن ارتفاع تكلفة الكهرباء أجبر العمال على الاستغناء عن الآلة والعودة إلى الطريقة اليدوية، ليصبح جهد العامل جزءًا أساسيًا من عملية الإنتاج.

ويضيف: "عند الانتهاء من صناعة أشكال وأحجام مختلفة من الأواني الفخارية، توضع في ساحة مفتوحة تحت أشعة الشمس لمدة أيام حتى تجف"، لافتا إلى عدم توافر الأفران التي كانت مخصصة قبل الحرب لحرق الفخار، وهي واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه عملهم، فيما يحاولون الاستمرار في العمل والحفاظ على الجودة رغم ضعف الإمكانات المتوافرة.

قد تتغير الورشة، ويقل الإنتاج، وترتفع تكلفة الطين، وتزداد المعوقات، لكن الفاخوري يواصل الضغط بأصابعه على الكتلة الطينية، وكأنه يعيد تشكيل حرفة تحاول النجاة من تداعيات الحرب، وتحفظ في تفاصيلها شيئًا من ذاكرة مدينة غزة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق